الثقافة الحية والثقافة الخاوية
لا تتساوى الثقافة العربية مع أي ثقافة أخرى للإنسان العربي؛ فالمعلقات أهم من مسرحيات شكسبير وابن رشد والغزالي أولى بالقراءة من توما الأكويني وأغستينوس. وادعاء عربيٍّ الحيادَ في هذا زيف معرفي وظلم للنفس. وهذا لايتعارض مع أن الحكمة ضالة المؤمن يبحث عنها أينما كانت. فما ميزان التفاضل؟
الثقافة العربية للعربي هي ثقافة حية يعيشها، وثقافات الأمم الأخرى يصله قشرها، جوفاء لا يستفيد منها إلا بقدر انغماسه بثقافة الآخر. وهذا الفرق لاحظته الآن حينما أسترجع أثر كتب تراثنا على أخلاقي وديني وفكري مقارنة بأثر قراءة جان جاك روسو أو فولتير مثلا، أترفه فيها وأستمتع لكن عمق أثرها يختلف. واختلاف الأثر هذا طبيعي لأني أعرف أكثر عن تاريخنا وثقافتنا ولغتنا (لأني أتشرب كل هذا مذ نشأت)، وبمقدار هذه المعرفة أستفيد من تراثنا، بينما أنا مفصول عن ثقافة الفرنسي لا ألمّ بالكثير من تاريخه ولا أساليب كلامهم ولا بيئتهم ورمزياتهم وتلميحاتهم الخفية بين السطور فيكون أثر كتّابهم عليّ غامض –إن وجد. لذلك، ثقافة غريبة كهذه تكون هشة ولا تبني فكرًا.
نفرّق إذًا بين ثقافة تبني وعيا وتنعكس على فكر الإنسان وخلقه ويظهر أثرها في حياته وبين ثقافة كمالية.
لكن المحزن أن ينشأ شخص عربي في بيئة تزين له الثقافة السائدة وتقلل من ثقافة أمته وتاريخها، فتكون نفسه أكثر تقبلا لكلامهم لا للحق ولكن للميل وهوى النفس، فيمسي المرء ذا ثقافة خاوية لا لبّ لها ولا أثر لها على ما يؤمن من قضايا ولا على عمله أو خلقه. وهذا الكلام أوجهه لنفسي، إن كان قصدي من الثقافة أن أكون فردًا واعيًا.. أما من يحاول التصدي لقضايا مجتمعية أو له مسؤوليات تتعدى شخصه فالوعي ليس خيارًا شخصيا، ومعرفة الفرق بين الغث والسمين من أهم الأدوات التي يجب أن يملكها ناهيك عن السعي لبناءٍ ثقافي رصين.
في الختام، وللأمانة العلمية، ما ذكرته ليس إبداعًا من عندي ولا شيئا ابتكرته، لكنها خواطر مرت في بالي عندما قرأت “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا” لمحمود شاكر. لا أتجرأ الجزم بأن هذا قصده، لكنها أفكار مستوحاة من بعض ما ذكر، وخصوصًا عندما تطرق لموضوع التعليم بعدما جاء الاستعمار لمصر، وكيف كان إنشاء مدارس تدرس الثقافة الفرنسية وغيرها حركة مقصودة لفصل جيلٍ عن ثقافته. وأحيل القارئ إلى الكتاب للاستزادة.